الذكر الحكيم

تاج الكرامة

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فإن القرآن العظيم بما فيه من معانٍ وعبر، وحكم وقصص، وأمثال وأخلاق، وعقائد، يبعث السرور في نفس الحزين، ويشبع الجائع، ويطفئ ظمأ العاطش، ويريح جسد المتعب، ويشجي أذن السامع، ويوسع أفق المتأمل، والمتدبر فيه، ويحيي القلوب الميتة، ويشفي الضمير المريض، ويوقظ الإحساس النائم.
إن هذا القرآن ينبوع لا ينضب، ونهر متدفق، ومنهل عذب، ومورد ثري، فطوبى لمن نهج نهجه، وسار على هديه، ونهل من معينه، فعمل بأوامره، وانتهى عن نواهيه، وتدبر معانيه، فتوصل إلى ما يأمله ويبتغيه، فهو عظمة المسلم، ولا تكمل إلا في مصاحبته، فهذا كلام الله نزله ليوجه هذه الأمة، وليسيرها عقيدة، وأخلاقاً، وعبادة وسلوكاً ومعاملة إلى الله، فهدى للتي هي أقوم، فهو قوة عظيمة، ونور ساطع، وبلسم شاف، ونبع صافٍ، فهو كتاب الله، فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما كان بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، فهو حبل الله المتين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ۝ يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [الجن:1-2].
من طلب الهدى من غيره أضله الله وأعماه وأخزاه؛ لهذا كان القرآن مصدر حياة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، وعزة وكرامة هذه الأمة، إن هي تمسكت به وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [هود:120].

يُخرِج الناس من الظلمات إلى النور:
القرآن أُنزل على قلب محمد -ﷺ- ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ليبني أمة، ويقيم نظاماً، وينشر حضارة يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا [النساء:174].

يُربي الأجيال:
القرآن يربي الأجيال على مائدة القرآن؛ لتكون أهلاً لحمل أمانة هذا الدين، والدعوة إليه، وقيادة البشرية إلى صراط الله المستقيم وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل:89].

يخاطب الفطرة والعقل:
القرآن يخاطب الفطرة والعقل، ويسلك مسالك الإقناع، ويحرك الشعور، ويستثير الوجدان اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [ الزمر:23].

يدعو إلى التأمل:
القرآن يطوف بالقلب أقطار السموات والأرض، يدعو إلى التأمل، وإلى التفكير في جوانب الحياة كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ [ص:29].

يوجه النظر إلى التاريخ وعبر الغابرين:
القرآن يوجه النظر إلى التاريخ، وعبر الغابرين، بقص القصص، وحديث الأخبار أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء:82].

في منهجه أعجب أسلوب:
القرآن في منهجه أعجب أسلوب، وأبدع طريقة، وأصدق نبأ، وأحسن قصص، وأجمع عبراً قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88].

حوى من الحكم أعجبها:
القرآن حوى من الحكم أعجبها، ومن وسائل التربية والإيمان أنجعها، ومن القصص والأحاديث أصدقها وأعذبها، وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الشورى:52].
في القرآن قصص وعبر وعظات يتجلى فيها عظم البلاء، وحسن العاقبة.

يُبين سنة الله في الصراع بين الحق والباطل:
القرآن يُبين سنة الله في الصراع بين الحق والباطل، والتنازع بين الخير والشر وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:23].

فيه دعوة إلى الإيمان بالله وحده:
في القرآن دعوة إلى الإيمان بالله وحده، وإفراده بالعبادة، وبيان مصير الصراعات في الدنيا، والعواقب في الأخرى وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ [الأعراف:175].
في ثنايا القرآن يتبين طريق أهل الخير، وطريق أصحاب السعير.

حوى على التوحيد:
القرآن حوى على التوحيد والأحكام، والسير والسياسة، وطلب المعاش، وعلاقات الخلق بالله، وببعضهم، وضم دروساً وعبراً، لصلاح الدين والدنيا معاً وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ [يونس:37].
فعد إليه، وتأمل فيه، واتله آناء الليل، وأطراف النهار إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37].
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الناشر: بدر بن نادر المشاري

المصدر: موقع صيد الفوائد

اقرأ أيضا

إغلاق