هيا بنـا نؤمن ساعة

وباء كورونا والعشر الأخيرة من رمضان

فهد بن عبدالعزيز عبدالله الشويرخ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد:

فيفرح كثير من المسلمين بقدوم العشر الأخيرة من شهر رمضان في كل عام؛ ليقوموا لياليها، ويعتكفوا في المساجد، تفرغًا لطاعة الله، وطمعًا في رضا الرحمن، وسكنى الجنان، والعتق من النيران.

وتقدم علينا العشر الأخيرة من شهر رمضان المبارك لهذه السنة في ظل ظروف مختلفة؛ بسبب جائحة كورونا.

والنفوس من طبيعتها أنها تتأسى بغيرها، والمسلم كان يعينه على الطاعة في ليالي العشر رؤيتُهُ لإخوانه المسلمين في المساجد معتكفين، مصلين قائمين، ركعًا سجودًا، لكن هذا لا يعني أن يترك القيام والطاعة في هذه العشر المباركة بسبب إغلاق المساجد، بل ينبغي له مجاهدة النفس في الاجتهاد في هذه العشر الأخيرة، فطوبى لمن اجتهد في الصيام والقيام وصالح الأعمال منذ بداية الشهر، فلما دخلت العشر؛ زاد اجتهاده، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنهما قالت: “كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر شدَّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله”[1] وفي رواية لمسلم قالت: “كان النبي ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره”[2] وكيف يكسل المسلم عن قيام هذه العشر وفيها ليلة القدر؟! الليلة ذات الفضل العظيم، والأجر الكبير لمن وُفِّق لقيامها إيمانًا واحتسابًا؛ قال تعالى: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ[القدر: 3] وقال عليه الصلاة والسلام: من قام ليلة القدر إيمانًا، واحتسابًا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه[3] وهي في العشر الأخيرة من رمضان، لكنها ليست ثابتة في ليلة بعينها، وإنما متنقلة؛ يقول العلامة ابن عثيمين رحمه الله: “ليلة القدر في رمضان بلا شكٍّ من ليلة إحدى وعشرين إلى آخر ليلة، فكل ليلة من هذه الليالي يمكن أن تكون ليلة القدر، وهل هي معيَّنة؟ الصواب أنها ليست معيَّنة، لكن بعض الليالي أرجى من بعض، وأما أنها معينة بليلة واحدة فلا، ولا يمكن أن تجتمع الأدلة إلا بهذا القول، فهي تنتقل، والله سبحانه وتعالى له حكمة في تنقُّلِها؛ حتى لا يعتاد الناس أن يقوموا تلك الليلةَ المعيَّنة، وألا يقوموا غيرها”[4].

فمن رام قيام ليلة القدر؛ فليحرص على قيام ليالي العشر جميعها حتى يدركها، ولئن كان المسلم في السنوات الماضية تعرض له بعض الأمور التي تجعله يخرج من البيت في بعض ليالي العشر الأخيرة من رمضان؛ مما يجعله لا يتمكن من قيامها جميعًا؛ ومن ثَمَّ قد لا يتمكن من تحري ليلة القدر، فإنه في هذه السنة سوف يكون ملازمًا لبيته، مما يساعده على قيام ليالي العشر جميعًا، وعلى تحري ليلة القدر.

فحري بالمسلم أن يستدرك ما فاته من تقصير في أول الشهر بالحرص على قيام ليالي العشر جميعًا، فرياح هذه الأسحار تحمل أنين المذنبين، وأنفاس المحبين، وقصص التائبين، ولعله يوفق لقيام ليلة القدر، التي تحسب بالعمر، وليحرص على أن يكثر من الدعاء فيها؛ تقول عائشة للنبي ﷺ: “أرأيت إن وافقت ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو، فاعفُ عني[5] يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله: “وإنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر؛ لأن العارفين يجتهدون في الأعمال، ثم لا يرَون لأنفسهم عملًا صالحًا، ولا حالًا، ولا مقالًا، فيرجعون إلى سؤال العفو كحال المذنب المقصر”[6].

ولئن كان بعض المصلين عندما كانوا يصلون صلاة القيام مع الأئمة في السنوات الماضية، يقولون: إن بعضهم يستعجلون، فلا يتمكن المأمومون من الطمأنينة ليسبحوا ويدعوا؛ فصلاة المسلم في بيته هذه السنة ستمكنه من أن يطيل الركوع والسجود، ويكثر من الدعاء، ولله الحمد.

الاعتكاف هو ملازمة المسجد للتفرغ للطاعة والعبادة، ولن يتمكن المسلم من هذه العبادة هذا العام لإغلاق المساجد، لكن هذا لا يعني ألَّا يتفرغ المسلم للطاعة والعبادة، ويشتغل بالقراءة، والذكر والصلاة، يعينه على هذا بعد توفيق الله له وإعانته أن يصدق العزم، ويغلق أجهزة الاتصال ليلًا؛ حتى لا ينشغل قلبه، ويضيع وقته بمتابعة آخر الأخبار.

حفظ الله المسلمين من كل مكروه، ووفقهم وأعانهم على كل خير وقربة.

المصدر: شبكة الألوكة (بتصرف يسير)

  1. أخرجه البخاري، برقم (2024).
  2. أخرجه مسلم برقم (1175).
  3. أخرجه البخاري، برقم (1901) ومسلم، برقم (760).
  4. انظر: فتاوى نور على الدرب، لابن عثيمين (205/15).
  5. أخرجه الترمذي في سننه، برقم (3513) وصححه الألباني في مشكاة المصابيح، برقم (2091).
  6. انظر: لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، لابن رجب (206).

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى