الذكر الحكيم

صور من حال السلف في رمضان

الموفق من عرف حقيقة الصوم، وأقبل على القرآن، وما ينفعه ويرفعه عند الله -تبارك وتعالى-، ولو نظرنا إلى حالنا في هذا الشهر الكريم فقد نجد من لا يزداد في هذا الشهر من العبادة والطاعة، فلا ترى من بعض الناس مزيداً من الإقبال على المساجد، والتبكير إلى الصلوات مثلاً، أو قراءة القرآن، بل ربما ازداد النوم في هذا الشهر الكريم، وازداد السهر على أمور لا طائل تحتها في لياليه، وازدادت الغفلة واللهو بجميع صنوفها وأشكالها، هذه حال الكثيرين في رمضان، فلنقارن هذا مع حال السلف -رضي الله عنهم-.

كان عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه- يختم القرآن كل يوم مرة، وكان بعض السلف يختم في قيام رمضان في كل ثلاث في الصلاة، وبعضهم في كل سبع، وبعضهم في كل عشر في الصلاة، فكانوا يقرؤون في خارج الصلاة أكثر من ذلك.

فهذا الشافعي -رحمه الله- كان له في رمضان ستون ختمة، يقرؤها في غير الصلاة [حلية الأولياء (9/134)].

وكان الأسود النخعي يقرأ القرآن في كل ليلتين في رمضان [حلية الأولياء (2/ 103)].

وكان قتادة يختم في كل سبع دائماً، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر في كل ليلة [حلية الأولياء(2/ 339)].
ويرد هنا إشكال أن النبي -ﷺ أخبر أنه لا يفقه القرآن من قرأ في أقل من ثلاث [أبو داود (1390) وغيره، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (1394)].
فليس الكلام هنا أن الدعوة موجهه إلى قراءة القرآن في كل ليلة، إنما كان هؤلاء السلف -رضي الله عنهم- يرون أن قول النبي -ﷺ- ليس على سبيل المنع الأكيد والتحريم، فكانوا يشمرون في رمضان؛ ليكثروا، فيرون أنها حالة استثنائية، موسم للتكثر من القراءة، وطلب الأجور والحسنات.

وكان الإمام محمد بن شهاب الزهري إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث، وهو أول من جمع الحديث، توفي سنة (124هـ) ومع ذلك يفر من قراءة الحديث، ومجالسة أهل العلم، ويقبل على تلاوة القرآن من المصحف، ويترك قراءة الحديث في رمضان، ومجالسة أهل العلم، ويقبل على القرآن.

وبعض أهل العلم كانت له ختمة بكل جمعة، وختمة في كل شهر، وختمة في كل سنة، يقول: ولي ختمة منذ ثلاثين سنة ما فرغت منها بعد [إحياء علوم الدين (1/ 282)].
فهذه ألوان من التدبر، فيمكن أن نقرأ ختمة بعد ختمة، ويكون لنا ختمة واحدة في التدبر في سائر الشهر.

وكان سفيان الثوري -رحمه الله- إذا دخل رمضان ترك جميع العبادات، وأقبل على قراءة القرآن [لطائف المعارف لابن رجب (ص:171)].

والأعمال -كما هو معروف- يفضل بعضها على بعض، بعض الناس يقول: أنا أشتغل بالعلم والفقه، هذا جيد، لكن من وفق لقراءة القرآن فهذا أجود، فالناس في هذه الدنيا مراتب، وهم في درجات، وكذلك هم درجات عند الله، فمن استغرق أوقاته في القرآن، ومع القرآن، وفي تدبره، فهذا أكمل وأفضل، ويأتي بعد ذلك من اشتغل بالعلوم المقاصدية من الحديث والتوحيد والفقه والتفسير، ويأتي بعد ذلك ودونه من اشتغل بعلوم الآلة كالأصول، وعلوم الحديث، والنحو، وما شابه ذلك.
ويأتي بعد ذلك من اشتغل بعلوم نافعةٍ أخرى، وقل مثل ذلك من يكتب، أو يتصفح في الإنترنت، ويقرأ في الواردات والشاردات، والمنتديات، وما إلى ذلك فهذا دون أولئك، ولكنه خير ممن يتصفح المواقع الإباحية، أو مواقع الإلحاد والزندقة والتشكيك، والذي يشتغل بالأمور المباحة خير من ذلك الذي ذهب يتجول في الأسواق، ويتتبع عورات المسلمين، فكما أن الجنة على مراتب، والنار على دركات، فكذلك أعمال الناس في هذه الحياة الدنيا، فينبغي على العبد أن ينظر في درجته ومرتبته، فإن الجزاء من جنس العمل.

الناشر: الشيخ خالد بن عثمان السبت

المصدر: من محاضرة بعنوان: خمس وقفات مع شهر رمضان

اقرأ أيضا

إغلاق