هيا بنـا نؤمن ساعة

سمعك في رمضان

عقل الإنسان ونفسه وروحه وفؤاده، كل ذلك مرهون صلاحه بما يتسرب إليه من الأذن، فإذا سمع الإنسان طيباً، وصل الطيب إلى عقله ونفسه وروحه وفؤاده، وإذا استمع -منصتاً- إلى الخبيث، تسرب الخبيث إلى فؤاده وروحه، وترسب في عقله ونفسه.

لا تستمع إلا لقول صادقيغنيك عن خطل من الأقوال
فالأذن نافذة العلوم وخيرهاأذن وعت ذكراً تلاه التالي

ولذلك كان السماع المحرم، من محظورات الصيام، وإن كان لا يدخل في مبطلاته بالمعنى الفقهي، فعندما تصوم الأذن عن سماع الحرام، فإنها تصون القلب ليقوم بواجب العبودية اللائق بالزمن الحرام في رمضان، وصون السمع عما يغضب الله حينئذ من واجبات الصيام لا من مستحباته ومندوباته؛ لأن السمع إذا كان مسؤولاً طوال العام كما في قوله سبحانه: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36]، فإن مسؤولية الإنسان عنه في رمضان أوقع، وانتهاكه لحرمته أشنع، قال جابر : “إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن المحارم”[1]، ومحرمات السماع هي الاستماع لكلمات الكفر وعبارات العصيان والألحان التي يغوي بها الشيطان.

ورمضان بكرامته وحرمته يستحق منك أيها الصائم أن تحفظه عن الباطل وسماعه في جلساتك ولقاءاتك، فكل باطل سماعه باطل، إذا كان استماع تلق ورضاً وإعجاب.

يا أذن لا تسمعي غير الهدى أبداًإن استماعك للأوزار أوزار

وقد جعل الله حفظ السمع من أخص صفات المؤمنين، ففي الصفات العشر التي وُصف بها المؤمنون في سورة (المؤمنون) يأتي الإعراض عن اللغو في المرتبة الثانية مباشرة بعد الخشوع في الصلاة، حيث قال الله : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ۝ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ۝ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [المؤمنون:1-3]، فالمؤمنون لسماعهم الخير ، فهم في صلاتهم خاشعون، ولكي يحافظوا على ذلك؛ فهم عن اللغو معرضون، لأن سماع الشر يضيع رصيد القلب من سماع الخير، ويشوش على النفس قيم الحق، قال تعالى مزكياً فعل من طهروا أسماعهم: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص:55].

وكما تتضاعف في رمضان مسؤولية الأذن في عدم سماع الباطل فإنها تعظم في سماع الحق، فالصلوات الجهرية، وصلاة القيام الجماعية، تقوم على حسن الاستماع لما يُتلى، وكذلك حِلق الذكر ومجالس العلم، تقتضي يقظة السامع وحسن إنصاته.

وسماع القرآن عبادة عظيمة تنزل القرآن بالأمر بها والثناء على أهلها، فقال سبحانه: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:204].

اللهم بارك لنا في أسماعنا وأبصارنا، وقواتنا أبدا ما أحييتنا.

المصدر: كتاب: روح الصيام ومعانيه (ص:76-77) للدكتور عبدالعزيز كامل.

  1. وظائف رمضان، لابن رجب الحنبلي (ص:21).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضا

إغلاق