هيا بنـا نؤمن ساعة

ختام الشهر

ها هي أيام رمضان قد انقضت، ولياليه تصرمت، مضت أوقاته كأنها طرفة عين، أو ومضة برق، كان المسلمون في جميع البلدان يترقبون دخوله، يستعدون له، يهنئ بعضهم بعضاً بمقدمه، وحل هذا الموسم الكريم، ونزل بساحتهم، بخيراته وبركاته، بفضائله وحسناته، ببره ونفحاته.
من عباد الله الفطن الذكي، الذي عرف أن الفرصة باغتنامها، وها هي أمامه فرصة عظيمة، فشمر عن ساعد الجد، ووظف جوارحه في طاعة الله، بادر بقلبه وقالبه في أطراف النهار، وفي أواخر الليالي، وفي أوقات الأسحار، وفي الهواجر، يذكر ربه، يتلو آياته، يردد التسبيح والتحميد، هو بين يدي خالقه، يركع ويسجد، يقوم ويطيل القيام، يلهج بالدعاء، وطلب المغفرة والرحمة؛ لأنه أيقن أن مثل هذا الموسم الثمين قد لا يعود عليه مرة أخرى، فلا بد أن يغتنم أوقاته فيما يفيده وينفعه، ويبقى له في آخرته.
ومن الناس من ركبه الشيطان، وأضله الهوى، وألف العصيان، فدخول رمضان لم يغير شيئاً في مجرى حياته، ولم يعدل مسار برنامجه اليومي إلا بالسهر واللعب، والغفلة واللهو، يمتنع عن الطعام والشراب، ويصوم نهاره، ولكنه بعيد عن مجالسة الصالحين، بعيد عن بيوت الله، وإن جاء إلى الصلاة أتاها كسولاً، وربما صلى في بيته بعد ذهاب الوقت، فهو أسير هواه، في جميع أيام الشهر الكريم، وهو في هذه اللحظات يتأسف ويتحسر، ويرسل عبارات الندم على أن ضيع أوقاته سدى.
أما من أحسن في هذا الشهر، وواظب على الطاعة؛ فليشكر الله تعالى الذي وفقه لصالح الأعمال، وإقامة العبادة، وليسأله القبول والثبات على العمل الخيِّر، وليطلب المزيد من التوفيق.
ومن أساء وقصّر في رمضان فليغتنم أوقات عمره، وأيام حياته، وليتب توبة نصوحاً إلى خالقه، وليندم على تفريطه، وليسأل الله التوفيق لصالح الأعمال، فإن ربنا غفور رحيم، يفرح بتوبة عبده، ويقبل توبته إذا علم منه حسن النية، وصدق اللهجة، وسلامة القصد.
وليختم شهره بالاستغفار، فإنه ختام الأعمال الصالحة، عسى الله أن يقيله، ويقبل منه: أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:74].
سبحان من يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً [النساء:110].
راجع حساباتك مع الله، ثم تأمل: أليس من الخزي والخسارة أن يعفو ربك عن الملايين من إخوانك المسلمين، وتبقى أنت مثقلاً بذنوبك وأوزارك التي أثقلت كاهلك بمعاصيك ومخالفاتك، وأنت تعلم أن ربك لا يظلم مثقال ذرة؟!

سلامٌ من الرحمن كلَّ أوانِ على خير شهر قد مضى وزمانِ
سلامٌ على شهر الصيام فإنه أمانٌ من الرحمن كل أمانِ
لئن ذهبت أيامك الغرُّ بغتة فما الحزن من قلبي عليك بفانِ

[الأبيات في لطائف المعارف لابن رجب (ص:216)].

الناشر: عبد الكريم العمري

المصدر: من كتاب: صفحات رمضانية

اقرأ أيضا

إغلاق