الذكر الحكيم

تعظيم القرآن

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:
فقد أخرج الطبراني والدارقطني بسند صحيح من حديث عمرو بن حزم أن النبي -ﷺ- كتب إلى أهل اليمن كتاباً، وفيه: لا يمَس القرآنَ إلا طاهرٌ [المعجم الكبير للطبراني (13217) سنن الدارقطني (439) وصححه الألباني في صحيح الجامع (7780)].
هكذا أُمرتِ الأمة أن تعظِّم كتاب الله؛ وإن من أرفع مقامات الأدب مع الله أن تعظِّم كلامه، وتُجِلَّه وتُكرمه؛ لأن فضل كلام الله على كلام غيره كفضله هو سبحانه على جميع خلقه، وعلى قدر عظمة القائل يكون تعظيم الكلام وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء:87]، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء:122].
تأمَّلْ في تعظيم الله -سبحانه وتعالى- لكلامه بنفسه، فقال -جل في علاه-: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:192] وقال: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ [البروج:21].
واختار لكتابه أعظم ليلة: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ [الدخان:3]، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِِ ۝ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر:1-3].
واصطفى من الملائكة أكرمَهم لتنزيله نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء:193] ومن البشر أطهرَهم وأتقاهم لتبليغه محمَّداً-صلى الله عليه وسلم-، لينزل القرآن في أعظم بقعةِ أرضٍ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ [آل عمران:96].
ويختتم النزول في نفس البقعة العظيمة الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3] ثم عظَّم الله -جل وعلا- كتابَه بأن وَصَفه بأسمى الصفات، وأجلِّ النعوت، وأجمل الأسماء، فهو سبحانه المبتدئ أولًا بتعظيم كلامه -جل وعلا-.
فبادرت الملائكة إلى تعظيم القرآن فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ۝ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ۝ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ۝ كِرَامٍ بَرَرَةٍ [عبس:13-16] إِنَّهُ لَقُرْآنٌٌ كَرِيمٌ ۝ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ۝ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة:77-79] يروي الإمام البيهقي بسند صحيح من حديث عليٍّ -رضي الله عنه-، قال -ﷺ-: إن العبد إذا قام يصلي أتاه المَلَكُ، فقام خلفه يستمع القرآن، ويدنو، فلا يزال يستمع ويدنو، حتى يضعَ فاه على فِيهِ، فلا يقرأ آيةً إلا كانت في جَوفِ المَلَك [السنن الكبرى (162)] وذلك من تعظيم الملائكة لكلام الله -جل وعلا-.
وهكذا كان -ﷺ- يُعلِّم الجيل الأول، فيقول: لا يَمَس القرآنَ إلا طاهرٌ…، وكان -ﷺ- يغضب إذا رأى أحداً من الصحابة يقرأ في كتب الأمم السابقة، وكل ذلك من التعظيم للقرآن والوحي.
حتى نشأ جيل يعظِّم القرآن غاية التعظيم، فيمرُّ علي -رضي الله عنه- على أبي حكيمة في الكوفة، وهو يكتب المصحف بيده، فيقول له: "أجْلِ قلمَك" قال: فأخذته فقطَطتُه من طرفه -أي: أصلحته وهيأته- وهو ينظر، فقال: "نعم، هكذا نوِّرْه كما نوَّرَه الله -عز وجل-" [شعب الإيمان (2417)].
وعند البخاري عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه إذا قرأ القرآن لم يتكلَّمْ حتى يفرُغَ منه [البخاري (4526)].
وهكذا كان الصحابة يُجلُّون القرآن، ويعظِّمونه بينهم، ثم سار الركب حتى عظَّم التابعون والصالحون من بعدهم كتابَ الله سبحانه؛ فهذا أبو العالية إذا قرأ القرآن اعتمَّ، ولبِس رداءه، واستقبل القبلة.
وكان يكره أن يُقال: سورة صغيرة؛ لأن القرآن كله عظيم، ولا صغير فيه؛ ولما رأى عمر بن عبدالعزيز -رحمه الله- ابناً له يكتب القرآن على حائط ضربه؛ لأن هذا ليس من التعظيم.
ومجاهد يقول: إذا تثاءبتَ وأنت تقرأ القرآن، فأمسكْ عن القرآن العظيم، حتى يذهب تثاؤبك.
ويقول الإمام النووي -رحمه الله-: "أجمع المسلمون على وجوب تعظيم القرآن" [التبيان في آداب حملة القرآن (ص:164)].
إننا نتكلم عن كلام الله العظيم، وبقدر عظمته سبحانه تكون عظمة كلامه، إنه القرآن الذي أخرجنا من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الجهل إلى العلم، ومن الضيق إلى السَّعة.
ولو قارنَّا واقع المسلمين اليوم مع القرآن وتعظيمه، لرأينا صوراً كثيرة من الاستخفاف، أو عدم التعظيم؛ فالبعض يمدُّ قدمَه تجاه المصحف، والآخر يجلس على كرسي، والمصحف تحته، وثالث يسند ظهره إلى المصحف، والبعض يفترش أوراق الصحف المليئة بآيات القرآن، فيجعلها سفرة للطعام، ولا ينبغي امتهان، أو استصغار، أو احتقار القرآن، ولا آية منه.
نحن اليوم في أمسِّ الحاجة إلى تعظيم هذا القرآن في النفوس والقلوب والصدور ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32].
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

الناشر: شبكة الألوكة

المصدر: شبكة الألوكة

اقرأ أيضا

إغلاق