هيا بنـا نؤمن ساعة

بصرك في رمضان

شهر رمضان، شهر للبصر والمجاهدة، ومن الصبر والمجاهدة فيه، أن يصبر المرء نفسه على غض البصر، ويجاهدها على ذلك، لعل ذلك يورثه سجية معتادة على هذا الخلق الإيماني العظيم، الذي يعمر القلب بالخشية ويزوده بالتقوى التي هي روح الصيام.

وقد أمر الله تعالى المؤمنين وأمر كذلك المؤمنات بغض البصر، لأن ذلك مقتضى الإيمان والمراقبة، فقال سبحانه: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ۝ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا [النور:30-31]، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: “هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين، أن يغضوا من أبصارهم، وأن يغمضوا أبصارهم عن المحارم، فإن اتفق أن وقع البصر على محرم من غير قصد، فليصرف بصره عنه سريعاً”[1].

إن حفظ البصر يعين على حفظ الفرج، وحفظهما معاً يحفظ الإنسان من الندامة يوم القيامة، فالنظرة المحرمة إذا كانت سهماً مسموماً، فإن المتأذي بذلك هو القلب، إذ كلما أُطلق البصر في الحرام، أوغل القلب في الظلام، وعلاه الدغل والران، وربما ارتد هذا الران المظلوم سواداً في البصيرة، تعمى به عن رؤية الحق أو تعشى عن إدراك الهدى، حيث تختلط الأمور على المرء، فلا يكاد يعرف معروفاً أو ينكر منكراً، أو يتذوق للحق حلاوة، ولا للباطل مرارة، ولهذا قال من قال من السلف: “نت حفظ بصره، أورثه الله نوراً في بصيرته”، وهو معنى مستفاد من قوله تعالى: هو أزكى لكم [النور:28]، “أي: تمسكهم بذلك أزكى لهم وأطهر؛ لأنه من باب ما يزكون به، ويستحقون الثناء”[2].

إن حلاوة الإيمان تورِّث أحاسيس سامية، فيها عوض وسلوى عما يخدع به الشيطان اللذائذ المحرمة، لكن الله تعالى يعلم ضعف الإنسان، ويعلم أن الامتناع التام عن النظر غير ممكن من المكلف البصير، ولهذا كان أمره سبحانه أن يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ، ولم يقل: يغضوا أبصارهم، فاكتفى منا بالجد في المجاهدة في كف النظر عن الحرام، بحيث إذا أصاب البصر نظرة إلى حرام، نازعت النفس صاحبها حتى لا يثنِّي هذه النظرة تعظيماً لأمر الله، وقد قال النبي ﷺ لعلي يا علي: لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة[3].

وغض البصر وحفظ الفرج إن كان فيه كف للنفس عن أسباب المهالك فإن له أيضاً مقابلاً، بل إن مقابله لا يقابله شيء من متاع الدنيا ولو حيزت، ولا تعادله زخارفها ولو اكتملت، قال عليه الصلاة والسلام: من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجله أضمن له الجنة[4]، ولما كان غض البصر هو أكبر معين على حفظ الفرج؛ قدِّم غض البصر على حفظ الفروج في الآية؛ لأن النظر بريد الفاحشة، ورائد الفجور، والبلوى فيه أشد والقدرة عليه أصعب[5].

المصدر: كتاب: روح الصيام ومعانيه (ص:80-81) للدكتور عبدالعزيز كامل.

  1. تفسير ابن كثير (3/28).
  2. تفسير الرازي (23/206).
  3. رواه الترمذي (2701)، وقال: هذا حديث حسن غريب.
  4. رواه البخاري (5992).
  5. انظر: تفسير الرازي (23/206).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضا

إغلاق