هيا بنـا نؤمن ساعة

الوباء في رمضان

أَهَلَّ رمضان هذا العام على المسلمين، والوباء قد ضرب أطنابه في مشارق الأرض ومغاربها، واجتاح الدول والمدن، ومنع بسببه السفر، وقطعت السبل، وأضحى الناس معه في أمر مريج، وحال بينهم وبين مساجدهم، وهو أمر مؤلم للمؤمن أن يدخل رمضان ولا تراويح في المساجد.

والأوبئة دورة تطهيرية في الأرض يقدرها الله تعالى ليغير بها أحوال البشر؛ فيسلطها على من يستحق العقاب، ويجعلها رحمة لأهل الإيمان.

وقد دَوَّن المؤرخون أوبئة كثيرة فتكت بالناس، وغيرت عليهم حياتهم، ونغصت معايشهم، ومنها ما وقع في رمضان، ومنها ما كان اشتداد فوعته في رمضان، ومنها ما قل أو تلاشى بدخول رمضان.

وهذا حديث عن وباء وقع في منتصف القرن الخامس الهجري سنة تسع وأربعين وأربع مئة، قال عنه ابن الجوزي: “وفي جمادى الآخرة ورد كتاب من بخارى من وراء النهر أنه وقع عندهم وباء لم يعهد مثله ولا سمع به، حتى إنه خرج من هذا الإقليم في يوم واحد ثمانية عشر ألف جنازة، وحصر من مات منه فكانوا ألف ألف وست مئة وخمسين ألفا إلى تاريخ الكتاب، ومن بقي من الناس يمرون في هذه البلاد فلا يرون إلا أسواقا خالية، وأبوابا مغلقة، وتعدى الوباء إلى أذربيجان، ثم إلى الأهواز والبصرة وواسط وتلك الأعمال، حتى كانت تحفر زبية -وهي الحفرة التي تحفر لصيد السباع- فيلقى فيها عشرون وثلاثون من الناس، وسببه قلة القوت والجوع، ومن مات قريبا من دجلة سحبوه برجله وألقوه فيها … ووصل إلى بغداد نسخة كتاب كتب من سمرقند … مضمونه أنه يدفن في كل يوم من صالحي المسلمين خمسة آلاف وستة آلاف وأكثر.

قال: ولم يكن مثل هذه الواقعة منذ مات آدم وإلى الآن، ولا يعلم من مات في أرض المشرق، بل قيل: إن سمرقند من غرة شوال وإلى سلخ ذي القعدة أحصي من خرج من أبوابها من الجنائز، فكانوا مئتي ألف وستة وثلاثين ألفا….

أيها المسلمون: في تذاكر الأوبئة السابقة تسلية للناس في محنة هذا الوباء، بأن ما هو أعظم من هذا الوباء قد جرى على أسلافهم.
وحين يأسى المسلم أنه لا يستطيع إقامة التراويح في المساجد يتذكر أن المساجد فيما مضى خلت من المسلمين في الأمصار العظيمة لموت أكثر الناس بالوباء، وهو يقيم صلاته في بيته وبين أهله وولده، وذلك من النعم التي تستوجب الشكر وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [سورة إبراهيم: 7].

وينبغي للمؤمن وهو متفرغ في بيته في هذا الشهر الكريم أن يشغل جل وقته بالقرآن، فإن رمضان شهر القرآن، وليحذر من ضياع الوقت في القيل والقال، أو التسمر أمام الشاشات التي تعرض الحرام؛ فإن ذلك ينقص أجر الصيام، وقد يذهبه، وفي الحديث الصحيح قال رسول الله ﷺ: من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه رواه البخاري.

المصدر: شبكة الألوكة (من خطبة للشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل). 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضا

إغلاق