الذكر الحكيم

النبي صلى الله عليه وسلم يشكو إلى ربه هجر قومه القرآن

من أعظم الآيات التي تحدَّثت عن جفاء الكفَّار وإعراضهم عن كتاب الله تعالى، حتَّى وصل الحال إلى شكوى عظيمة يبثُّها النَّبي ﷺ إلى ربِّه بسبب هجر قومه للقرآن العظيم، قوله تعالى: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان:30]. فقد أعرضوا عن القرآن العظيم وهجروه، وتركوه، مع أنَّ الواجب عليهم، الإيمانُ به، والانقياد لحكمه[1].

والمقصود من حكاية هذه الشَّكوى العظيمة: إنذار كلِّ مَنْ هَجَر القرآن الكريم إلى يوم الدِّين، بأنَّ صاحب الرِّسالة ﷺ قد توجَّه في هذا الشَّأن إلى ربِّه عزَّ وجلَّ يشكو هَجْر قومه القرآنَ العظيم.

وقد أُكِّدَت هذه الشَّكوى بـإِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} للاهتمام بها؛ ليكونَ التَّشكِّي أقوى. والتَّعبير عن قريش بـقَوْمِي؛ لزيادة التَّذمُّر من فِعلهم معه؛ لأنَّ من شأن قوم الرَّجل أن يوافقوه.

وتأملوا -إخوتي- قوله: اتَّخَذُوا الذي يدلُّ دلالةً واضحة على أنَّ هذا هو دَيدنهم وشأنهم وحالهم مع نبيِّهم المرسل إليهم، ولم يقع الهَجْر منهم عَرَضاً مرة أو مرتين، إنَّما وقع مراراً وتكراراً، فهو أشدُّ مبالغة – في هَجْر القرآن – من أنْ يُقال: إنَّ قومي هجروا القرآن، كأنَّما اتَّخذوا هذا الهَجْر صِنعةً وحِرفة، وعقدوا العزم في ذلك الاتِّخاذ، فهو قرار قرَّروه، ومنهج اختطُّوه لأنفسهم وللأجيال من بعدهم. واسم الإشارة في هَذَا الْقُرْآنَ؛ لِتَعظيمه، وأنَّ مِثْلَه لا يُتَّخَذ مهجوراً بل هو جدير بالإيمان به، والإقبال عليه، والانتفاع به[2].

فهذه “شكوى عظيمة، وفيها أعظم تخويف لِمَنْ هَجَر هذا القرآن العظيم، فلم يعمل بما فيه من الحلال والحرام والآداب والمكارم، ولم يعتقد ما فيه من العقائد، ويعتبر بما فيه من الزَّواجر والقصص والأمثال”[3].

“وفي هذه الشَّكوى من التَّخويف والتَّحذير ما لا يخفى؛ فإنَّ الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام إذا شكوا إلى الله قومهم عجَّل لهم العذاب ولم يُنظروا”[4].

وهذه الآية وإن كانت في المشركين، إلاَّ أنَّ العبرة بعموم لفظها، فنَظْمُها الكريم مما يُرهِّب عموم المعرضين عن العمل بالقرآن، والأخذ بآدابه، وفي الآية كذلك التَّحذير من هجر المصحف وعدم تعاهده بالقراءة فيه[5].

فينبغي لكلِّ مسلم -يخاف العَرْضَ على ربِّه يوم القيامة- أن يتأمَّلَ هذه الآية الكريمة، ويُمْعِنَ النَّظَر فيها مراراً وتكراراً؛ ليرى لنفسه المخرج من هذه الورطة العظمى، والطَّامة الكبرى التي عمَّت جُلَّ بلاد المسلمين من هذه المعمورة، وهي: هجر القرآن الكريم[6].

وقد تحدَّث أهل العلم عن أنواع من هجر القرآن العظيم، ومن ذلك ما قاله ابن كثير -رحمه الله-: “كان الكفَّار إذا تُلي عليهم القرآن أكثروا اللَّغط والكلام في غيره، حتَّى لا يسمعوه، فهذا من هجرانه، وتركُ عِلمه وحفظه أيضاً من هجرانه، وتركُ الإيمان به وتصديقه من هجرانه، وتركُ تدبُّره وتفهُّمه من هجرانه، وتركُ العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه، والعدولُ عنه إلى غيره من شعرٍ أو قولٍ أو غناءٍ أو لهوٍ أو كلامٍ أو طريقةٍ مأخوذة من غيره من هجرانه”[7].

وقال ابن القيِّم رحمه الله: “هَجْرُ القرآنِ أنواع: أحدها: هجر سماعه، والإيمان به، والإصغاء إليه. والثَّاني: هجر العمل به، والوقوف عند حلاله وحرامه، وإنْ قرأه وآمن به. والثَّالث: هجر تحكيمه والتَّحاكم إليه في أصول الدِّين وفروعه، واعتقاد أنه لا يفيد اليقين، وأنَّ أدلَّته لا تفيد اليقين، وأنَّ أدلَّته لفظيةٌ لا تحصِّل العلم. والرَّابع: هجر تدبُّره وتفهُّمه ومعرفة ما أراد المتكلِّم به منه. والخامس: هجر الاستشفاء والتَّداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها؛ فيطلب شفاء دائه من غيره، ويهجر التَّداوي به. وكلُّ هذا داخلٌ في قوله: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان:30]، وإنْ كان بعض الهَجْر أهون من بعض”[8].

المصدر: موقع الألوكة، من خطبة للدكتور محمود بن أحمد الدوسري. 

  1. انظر: تفسير السعدي (3/ 438).
  2. انظر: التحرير والتنوير (19/ 42).
  3. أضواء البيان، للشنقيطي (6/ 317).
  4. روح المعاني (19/ 14).
  5. انظر: تفسير القاسمي (5/ 341-342).
  6. انظر: أضواء البيان (7/ 262).
  7. تفسير ابن كثير (6/ 120).
  8. الفوائد (ص123-124)، بتصرف يسير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضا

إغلاق