الذكر الحكيم

الشهر فسحة للعبادة والتشمير

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:
فالله -سبحانه وتعالى- منَّ علينا، وأسبغ النعم، ومن ذلك إنعامه علينا بأيامٍ وليالٍ فاضلة، تتضاعف فيها الحسنات، ويكثر فيها المجدون والمسارعون، ويكثر فيها أيضاً التنافس في الطاعات، لرب الأرض والسماوات، فيا باغي الخير أقبل على الطاعات، ومن أفضل ما تُقضى فيه الأوقات: قراءة كتاب الله -تبارك وتعالى-، فقد كان السلف -رضوان الله عليهم- إذا أقبل رمضان أقبلوا على قراءة القرآن، وتركوا الاشتغال بما عداه.
يقول فضيلة الشيخ خالد بن عثمان السبت -وفقه الله وحفظه- في محاضرة بعنوان (خمس وقفات مع شهر رمضان):
"في هذا الشهر وقت طويل، وفسحة للعبادة والتشمير، فيه (720) ساعة، والساعة يمكن أن يُقرأ فيها ثلاثة أجزاء من القرآن، قراءة معتدلة، فذلك يكافئ ألفين ومائة وستين جزءاً من القرآن، والقرآن كما هو معلوم ثلاثون جزءاً، فذلك اثنتان وسبعون ختمة، يعني: ما يسعه ساعات وأيام هذا الشهر بكاملها، فلو قرأ الإنسان في نصف ساعات اليوم، فيكون له بذلك ست وثلاثون ختمة، فلو قرأ فقط في ثلث ساعات اليوم، في ثمان ساعات، فيكون له أربع وعشرون ختمة، ولو قرأ في ربع ساعات اليوم، فإنه يكون له بذلك ثمانيَ عشرة ختمة، فحدد من البداية ماذا تريد أن تكون آخر الشهر؟ ولا تترك الأمور هكذا مبهمة، فتكون النتائج غير مرضية في النهاية، حدد ماذا تريد؟!هذه أرقام حسابية، اجعل لك حداً لا تنقص عنه".
فشهر رمضان فرصة عظيمة، للتزود من الخيرات، ورفع الدرجات، وقد أمرنا الله -سبحانه وتعالى- بالمسارعة، فقال -جل وعلا-: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133] فأمر سبحانه في هذه الآية بالمسارعة لأسباب مغفرته -جل وعلا-، وبين أن الجنة أعدت للمتقين، وأخبر -سبحانه وتعالى- في سورة البقرة بأن الغاية من الصيام الحصول على مرتبة التقوى، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183].
وقال سبحانه آمراً بالمسابقة: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [المائدة:48]. وبين -جلا جلاله- فضل المسابقة، وجزاء من سابق، فقال: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُواا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21].
وأخرج مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -ﷺ- قال: بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم… [أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن(1/ 110-118)]، فمَعْنَاهُ: الْحَث على الْمُبَادرَة إِلَى الْأَعْمَال الصَّالِحَة قبل تعذرها، والاشتغال عَنْهَا، بِمَا يحدث من الْفِتَن الشاغلة المتكاثرة المتراكمة، كتراكم ظلام اللَّيْل المظلم لَا المقمر" [انظر: شرح السيوطي على مسلم (1/ 134) وشرح النووي على مسلم (2/ 133)].
وقال محمد الأمين الهرري: "أي: سابقوا بالأعمال الصالحة قبل هجوم المحن المانعة منها، السالبة لشرطها المصحح لها: الإيمان" [الكوكب الوهَّاج والرَّوض البَهَّاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج (3/ 201)].
والقرآن الكريم هدى للمتقين، كما قال سبحانه: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2] وقال: هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:138] فعلينا أن نستغل أوقاتنا، لا تمر بلا فائدة، ولنلزم كتاب ربنا سبحانه، تلاوةً وتدبراً ومراجعةً، حتى نفلح ونفوز برضا ربنا -تبارك وتعالى-، وهو أيام قلائل، ولنجعل لأنفسنا بعده حزباً يومياً، لا نفتر، ولا نكسل عنه.
نسأل الله -تبارك وتعالى- بمنه وكرمه، أن يمن علينا باغتنام الأوقات، ويعيننا على طاعته ورضاه، ويوفقنا لتلاوة كتابه، والعمل به، آناء الليل، وأطراف النهار، والحمد لله رب العالمين.

الناشر: أسرة تحرير موقع رمضانيات

المصدر: موقع رمضانيات

اقرأ أيضا

إغلاق