الذكر الحكيم

البكاء عند قراءة القرآن

في شهر رمضان يحرص المسلمون على حضور صلاة التراويح، وأدائها مع جماعة المسلمين في المساجد، ابتغاء للأجر، وطلباً للمثوبة والفضل من الله تعالى، ويجاهد المسلم نفسه على المواظبة عليها، عسى أن يحظى بالمغفرة من الخالق -جل وعلا-.
وقد ورد في الحديث الصحيح عنه -ﷺ- أنه قال: من قام مع الإمام حتى ينصرف، كُتب له قيام ليلة [الترمذي (806) وصححه الألباني في صحيح الجامع (2417)].
فبقاؤه مع الإمام، وصلاته معه حتى ينتهي، ويفرغ من صلاته، ينال بها عظيم الأجر والثواب، فهو يؤمِّن خلف إمامه حين يدعو في قنوته، ويكون حاضر القلب، متأملاً متدبراً آيات الله تعالى التي تتلى، آخذاً العظة والعبرة من تلك القصص والمشاهد التي يرد ذكرها في سور القرآن الكريم.
وينبغي للمسلم حين صلاته أن يكون حاضر القلب، متأملاً تلك الآيات، متفاعلاً معها بقلبه، يخشع عند سماعها؛ إذ هي كلام الله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:23]، وقال جل شأنه: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنََ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ [الحشر:21].
والبكاء عند قراءة القرآن، أو عند سماعه، بشرى خير، تدل على تأثر القارئ والمستمع والمصلي بما سمعه من كلام الباري -جل وعلا-، وتدل على امتلاء قلبه، وزيادة إيمانه وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً [الأنفال:2] وكان رسول الله -ﷺ- يبكي عند القراءة، قال عبد الله بن الشخير -رضي الله عنه-: "دخلتُ على النبي -ﷺ- وهو يصلي، فسمعتُ في صدره أزيزاً، كأزيز المرجل من البكاء" [أحمد (16312) وصححه الألباني في موسوعة العقيدة (499)].
وكذلك كانت أحوال الصحابة -رضي الله عنهم-، والسلف الصالح -رحمهم الله-.
لكن المشاهد من حال البعض أن بكاءهم في صلاة التراويح يكون في أثناء القنوت، ويرفعون أصواتهم بالبكاء، بحيث يشوّشون على إخوانهم المصلين، فهؤلاء مثابون على قدر نياتهم، ولكن ينبغي أن نتأمَّل أحوال السلف في ذلك، وإمامنا وقدوتنا رسول الله -ﷺ-، فقد كان تأثره من قراءته في صدره بحيث يكون بكاؤه في صدره دون صوت، وكذلك أصحابه -رضي الله عنهم- عند سماعهم القرآن، كانت تفيض دموعهم، وتقشعر جلودهم، دون أن يحدثوا صراخاً، أو رفعاً لأصواتهم، وهم أدرى الأمة وأعرفها، وأقرب الناس لهدي المصطفى -ﷺ-.

مَنَعَ القُرآنُ بوعده ووعيده مُقَلَ العيون بليلِها لا تهجع
فهموا عن الملك العظيم كلامه فهماً تذل له الرقاب وتخضع
[البيتان لـ(ذو النون المصري) لطائف المعارف، لابن رجب (ص:173)].

الناشر: عبد الكريم العمري

المصدر: من كتاب: صفحات رمضانية

اقرأ أيضا

إغلاق