هيا بنـا نؤمن ساعة

استقبال رمضان المبارك بين الأمل والألم

د. سعود بن ابراهيم الشريم

الحمد لله الكبير المتعال، ذي الجلال والإكرام والكمال، المستحِقِّ الحمدَ بالغُدُوِّ والآصالِ، أمرُه قضاءٌ وحكمةٌ، ورضاه أمانٌ ورحمةٌ، يقضي بعِلْمه، ويعفو بحِلْمه، نحمده على ما يأخذ ويُعطِي، وعلى ما يعافِي ويبتلي، له الحمد وحدَه؛ إذ لم يجعلنا ميتينَ ولا سقماءَ، ولا مضروبينَ على عروقنا بسوء، ولا مقطوعًا دَابِرُنا، ولا مرتَدِّينَ عن دِينِنَا، ولا منكِرينَ لرَبِّنا، ولا مستوحشينَ من إيماننا، ولا معذَّبينَ بعذاب الأمم من قبلنا، نحمده أن جعلنا عبيدًا طائعينَ له، له الحجةُ علينا ولا حجةَ لنا عليه، لا نقدِر أن نأخذ إلَّا ما أعطانا، ولا أن نتَّقِيَ إلا ما وقَانَا، نحمده على بلائه، كما نحمده على آلائه، فله الحمد ملءَ السماء وملءَ الأرض، وملءَ ما شاء من شيء بعدُ، أهلَ الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبدُ وكلُّنا له عبدٌ، لا مانعَ لِمَا أعطى، ولا مُعطِيَ لما مَنَعَ، ولا ينفع ذا الجَدِّ منه الجدُّ، ونستغفره ممَّا أحاط به علمُه، وأحصاه في كتابه، عِلْمٌ غيرُ قاصرٍ، وكتابٌ غيرُ مُغادِرٍ، وأشهد ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أن محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه، شهادتينِ تُصعِدانِ القولَ والعملَ، لا يخفُّ ميزانٌ تُوضَعانِ فيه، ولا يرجح ميزانٌ تُرفَعانِ عنه، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آلِه الطيبينَ الطاهرينَ، وعلى أزواجه أمهاتِ المؤمنينَ، وعلى أصحابه الغُرِّ الميامينِ، ومن تَبِعَهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعدُ: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله رب العباد؛ فهي للقلب عماد، وللثبات أوتاد، لا يستغني عنها مسلمٌ ولا يكاد، هي نورُه وأنيسُه، وزاده ليوم المعاد، وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ۝ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [سورة مَرْيَمَ: 71-72].

أيها المسلمون:

لقد وفَد إليكم شهرُ رمضانَ المباركُ، كعادتِه في إبَّانه لم يتخلف، وموضع زمانه لم يتوانَ، لقد أتاكم الضيفُ على صورته المعهودة، غيرَ أن حالَ مستقبِلِيه ليست كحالهم من قبلُ، لقد وفَد إليهم في ثنايا جائحة جاثمة، كدَّرَت صفوَهم، وأزكَتْ فَرَقَهُمْ، وأقلَّت فوقَهم غياية حزنٍ وقلقٍ، أخَذَت بأفئدتهم كلَّ مأخذ، حتى أضحَوْا كأَنَّ على رؤوسهم الطير، لقد وفَد إليهم هذا الشهرُ المباركُ على حال لم يعهدها كبيرُهم، ولم يسمَعْ بها صغيرُهم، جائحةٌ حالت بينَهم وبينَ ما عَهِدُوه في عباداتهم وأعمالهم، واقتصادهم وحِلِّهم وترحالهم، لقد وفَد إليهم شهرُهم هذا في زمن هم أحوج ما يكونون فيه إلى كفكفة دموعهم ولمِّ شَعَثِهم، واستكمال قوتهم وفتح ما انغلق ورفع ما سقط وجَمْع ما تفرَّق، ووَصْل ما انقطع، مشرئبينَ إلى وفود شهرهم على أحرَّ مِنَ الجَمْرِ؛ ليجعلوا منه شهرَ ذِكْر وعبادة وصدقة وقراءة وإنابة، مُلِحِّينَ في دعائهم لربهم أن يُعَجِّلَ لهم بكشف هذه الغمة، وأن يخلفهم فيما فقدوه خيرا، ويجعل ما أصابهم طهورًا لهم ورفعةً في درجاتهم وعظةً لهم وذكرى فيما يستقبلون في دنياهم وما يستأخرون، وما يأخذون منها وما يذرون، مستلهمينَ حالَ أمر المؤمن إن أصبته سراء شَكَرَ فكان خيرًا له، وإن أصبته ضراءُ صَبَرَ فكان خيرًا له؛ ليظفروا إثرَها بالبشرى، والصلاة من الله عليهم وبرحمته وهدايته لهم، وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۝ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [سورة الْبَقَرَةِ: 155-157]، قال ابن القيم -رحمه الله-: “إن في القلب شعثًا لا يَلُمُّه إلا الإقبالُ على الله، وعليه وحشةٌ لا يُزِيلُها إلا الأنسُ به في خلوته، وفيه حزنٌ لا يُذهِبه إلا السرورُ بمعرفته وصدقُ معاملته، وفيه قلقٌ لا يُسَكِّنُه إلا الاجتماعُ عليه، والفرارُ منه إليه“، فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [سورة الذَّارِيَاتِ: 50].

وإننا لَنحمَدُ اللهَ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه أن لم يجعل ما حلَّ بنا مصيبةً في ديننا؛ إذ كلُّ المصائب قد يُرجَى تحمُّلُها إلا المصيبة في الدين، كيف لا وقد جاء في الحديث أنه كان مِنْ دعاء النبي ﷺ قوله: ولا تجعَلْ مصيبتي في ديني (رواه الطبراني وغيره)، نَعَمْ أيها المسلمون، نحمدُ اللهَ أن لم يجعلها جائحةً في ديننا وعباداتنا وأخلاقنا، وأمَّا المال فإنه غادٍ ورائحٌ، واللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ [سورة الرَّعْدِ: 26]، وأمَّا الصحةُ فذاتُ فتحٍ وذاتُ إغلاقٍ، ويعتري الإنسانَ ما يعتريه من عوارضَ صحيةٍ، ومَنْ عاشَ لم يخلُ من مصيبة، وقلَّ أن ينفكَّ عن عجيبة.

وَلِكُلِّ مَا يُؤْذِي وَإِنْ قَلَّ أَلَمْفَمَا أَطْوَلَ اللَّيْلَ عَلَى مَنْ لَمْ يَنَمْ

وقد قال النبي ﷺ: ما يُصِيب المسلمَ من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حَزَنٍ، ولا أَذًى ولا غَمٍّ حتى الشوكةُ يُشَاكُهَا إلا كفَّر اللهُ بها من خطاياه (متفق عليه).

عبادَ اللهِ:

إن تلكم الجائحة التي حلَّت بعالَمِنا اليومَ لا تحسبوها شرًّا محضًا، بل إن لنا في طياتها لدروسًا وعِبَرًا، ما كنا لنتعلَّمَها قبل ذلكم، مع إيماننا بمولانا أنه قد أعطانا كثيرًا وأخذ قليلًا، وأن ممَّا علَّمَتْنا إياه تلكم الجائحةُ أثَرَ الوعيِ في سلامة المجتمعات، فإننا متى جعلنا الوعيَ ذا بال في تصرفاتنا فلن نخفق -بإذن الله- في التعامل مع النوازل والخطوب، فبالوعي يَعرِف أحدُنا متى يرفع بصرَه، ومتى يرخيه، ويعرف مصلحةَ دفعه الأخطارَ قبل وقوعها، وأنها أعلى وأولى مِنْ رفعِها بعد وقوعها، فمَنْ وُفِّقَ في وعيه وُفِّقَ في حذره، فأحسَن قراءةَ ما بين سطور الأزمات؛ ومِنْ ثَمَّ نجَح في إدارتها، وخرَج منها بأقلِّ الجراحِ والخسائرِ، فإن الوعي والحذر أمرانِ زائدانِ على مجرد السمع والإبصار، فما كلُّ من يبصر يعي ويحذر ما يبصره، ولا كل من يسمع كذلكم.

وإن ممَّا علَّمَتْنا إياه تلكم الجائحةُ: أن الإنسان في حقيقته يستطيع العيشَ دون كثير من المكمِّلات والتحسينيَّات التي كان يخالها في دائرة الحاجيات والضروريات، وأنه كان في غفلة بالغة عن إعمال مفهوم الادخار في حياته، وحُسْن تصريف كسبه، ولا غَرْوَ عبادَ اللهِ فإن مثل تلكم الجائحة ستُنقذه من غفلته؛ فيُعمِل في مستقبل دنياه مفهومَ الادخار؛ ليعزِّز به احتباسَ جزء من كسبه للتخفُّف به من أعباء مستقبله خشيةَ نوازل تطرُق بابَه، أو تحلُّ قريبًا من داره.

ولا شكَّ أن في مثل ذلك حُسْن تصرُّف وإتقانًا في إدارة الرزق وتميزًا في توجيه مدَّخَراته الوجهةَ التي يُتقِن بها الفرزَ الصحيحَ بين ضرورياته وحاجياته وتحسينيَّاته، التي تتزاحم عليه بين أزمة وأخرى، فإنه لن يستقيم أمرُ معاشِه ما لم يُوازِن بين إنفاقِه وتوزيعِه وادخارِه، كيف لا وقد جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا؛ إنه ينبغي علينا جميعًا -عبادَ اللهِ- ألَّا نجعلَ تلكم الجائحة حدثًا تاريخيًّا عابرًا وحسبُ، بل لا بد أن نستلهم منها عِبَرًا وعظاتٍ في كل شئوننا، وأن نخرج منها -بفضل الله- أقوى وأوعى وأكثرَ استعدادًا للنوازل من ذي قبلُ، وينبغي ألا تضعُفَ قُوَانا وألَّا تلقي علينا لحافَ اليأس والهم والفَرَقِ، كيف لا ونحن نؤمِن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخِر وبالقَدَرِ خيرِه وشَرِّهِ.

لقد ميَّز اللهُ أمةَ الإسلام بأن من عادتها أنها تخرج من أزماتها قويةً واعيةً تسدُّ ثغراتها ولا تكرِّر فجواتها، فتلكم الجائحة امتحان من الله للأمة؛ لتتفكر في عظيم قدرته، فتقدره حقَّ قدره، وهي رسالة للشارد أن يؤوب، وللمذنِب أن يتوب، وللعاقِّ أن يَبَرَّ، وللمسرِف أن يقتصد، وللمُترَفِ أن يخشوشنَ، ولا ينظر إلى حكمة غير تلكم الحِكَم، إلا قلبٌ حجَبَه الحرصُ عن التفكر، وطولُ الأمل عن المراجَعة، والكبرياءُ عن التواضع لمن بيده ملكوت كل شيء، وهو يُجِير ولا يجار عليه.

وإننا لنحمد الله -جل شأنه- أن أكرم بلادنا بنعمة البدار لمدافَعة هذه الجائحة ورفعها، ثم نلهج بالشكر للقيادة وفَّقَها اللهُ، على ما بذلَتْه من خطوات ملموسة في تهيئة سُبُل درء تلكم الجائحة، والشكرُ موصولٌ كذلكم للمعنيينَ، دونَ استثناءٍ، كُلًّا في مجاله، فلهم منا جميعًا الدعاء بأن يجزيهم الله عنَّا خيرَ الجزاء، وأن يجعل ما بذلوه أسبابَ خير في كشف هذه الغمة، وأن يُلْبِسَنا وإياهم وإياكم وجميعَ إخواننا المسلمين لباسَ الصحة والسلامة والعافية، إن مولانا -جل شأنه- خير مسئول، فنعم المولى ونعم النصير.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات، من كل ذنب وخطيئة، فاستغفِروه وتوبوا إليه إن ربي كان غفورًا رحيمًا.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه.

وبعدُ: فاتقوا الله -عبادَ اللهِ- واعلموا أن الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه- قال: إذا جاء رمضانُ فُتِّحت أبوابُ الجنة، وغُلِّقت أبوابُ النار، وصُفِّدت الشياطينُ (رواه البخاري ومسلم)، فاللهَ اللهَ في اغتنام شهركم، واستغلال ضَعْف عَدُوِّكم الذي قال عنه ربُّكم -جل شأنه-: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [سورة فَاطِرٍ: 6].

ألَا إن كثيرًا من الناس يُدرِكون عداوةَ الشيطان لهم لكنهم لا يجعلون من أنفسهم أعداءً له، وهذا إهمال ظاهر، وبرود قاتل تجاهَ هذه المعادلة؛ فإن المراغَمة والمدافَعة بين بني الإنسان والشيطان لا تتحقَّق إلا بإعمال هاتين الحقيقتين، وإن عداوته لَتَكْمُنُ في قوله: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [سورة الْأَعْرَافِ: 16]، إنه يقعد لهم في صراطهم المستقيم، وليس على جنباته، ولا في نهايته، ولا بعيدًا عنه، وإنه لا يكتفي في قعودِه بمواجهتهم من أمامهم فحسبُ، بل يقعد لهم في كل اتجاه: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [سورة الْأَعْرَافِ: 17]، فالمسلمُ ما يزال في عِرَاكٍ مع الشيطان ما دام له قلبٌ ينبض في هذه الحياة، ومعركة المراغَمة تلك لا يَسكُنُ لها غبارٌ، بل هي سجالٌ بينَهما؛ يومٌ للشيطان ويومٌ للإنسان.

غيرَ أن أعظمَ تلك المعارك وأحماها وطيسًا، مع أنها أقوى ما يكون المسلم فيها وأضعف ما يكون الشيطان فيها هي معركة الشيطان مع الإنسان في شهر رمضان المبارك؛ لذلك جاء اللوم والثُّبُور والخسران لمَنْ فاتَتْه هذه الفرصةُ السانحةُ؛ فقد قال النبي ﷺ: إن جبريل أتاني فقال: مَنْ أَدْرَكَ شهرَ رمضانَ ولم يُغفَرْ له فدخَل النارَ فأبعَدَه اللهُ، قُلْ: آمينَ، فقلتُ: آمينَ الحديثَ… (رواه ابن خزيمة).

فَأَرُوا اللهَ من أنفسكم جِدًّا واجتهادًا في شهركم هذا، وإذا كانت دواعي الجائحة حالَت دون ارتياد المساجد فإن ذلك ليس بِمُعْفٍ أحدًا عن عبادة ربه في بيته، فكما قيل: بئسَ القومُ لا يعرفونَ اللهَ إلا في رمضان، كذلكم يقال: بئسَ القومُ لا يعرفونَ اللهَ إلا في المساجد، فلا يعرفونه في بيوتهم ولا في مجالسهم ولا قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، فإنه في مثل هذه الجائحة يتبيَّن حرصُ المرء على العبادة في بيته من عدمها؛ فإن الناس في هذا الشهر إبَّانَ هذه الجائحة أكثرُ فراغًا، وأوسعُ أوقاتًا، يمكن أن تُصرَفَ في الطاعة، بل إنهم -جميعًا- لم يمرَّ عليهم شهرُ رمضان قطُّ بمثل هذا التفرغ؛ فاللهَ اللهَ في استثماره، فإنه لا حجةَ لأحد بانشغال؛ لأن السواد الأعظم في البيوت، وإنه لَفرصةٌ على طبق من ذهب، فيا خيبةَ مَنْ ضيَّعَها.

وإنه لا ينبغي لنا أن نقول: قد حلَّ بنا ما يشغَلُنا عن شهرنا المبارك، بل الحقُّ أن نقول: قد حلَّ بنا ما يُفَرِّغُنا له، وإنه لَفرصةٌ عظمى إبَّانَ بقاء الناس في دُورِهِمْ أن يُحيُوا شهرَهم بذِكْر اللهِ وعبادتِه؛ فإن مَنْ ظَنَّ أن الله لا يُعبَدُ إلا في المسجد وحسبُ فقد فرَّط في جنب الله، وأساء الظنَّ به، بل إن النوافل في البيوت لَعظيمةُ الأجرِ بالغةُ الأثرِ، وإذا كان مقتضى الحال هو البقاء في البيوت فإن النبي ﷺ قد قال: وَجُعِلَتْ لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا، فأيُّما رجلٍ من أمتي أدركته الصلاةُ فليصلِّ (متفق عليه)، و(في الصحيحين) أيضا أن النبي ﷺ قال: اجعلوا مِنْ صلاتِكم في بيوتِكم ولا تتخذوها قبورًا.

هذا وصلوا -رحمكم الله- على خير البرية، وأزكى البشرية، محمد بن عبد الله، صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمرَكم اللهُ بأمرٍ بَدَأَ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المسبِّحة بقُدْسِه، وأيَّهَ بكم أيها المؤمنون فقال جلَّ وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [سورة الْأَحْزَابِ: 56]، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدِكَ ورسولِكَ محمدٍ، صاحبِ الوجهِ الأنورِ والجبينِ الأزهرِ، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة؛ أبي بكر وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ، وعن سائر صحابة نبيِّكَ محمد ﷺ، وعن التابعينَ ومَنْ تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ، وعنَّا معهم بعفوِكَ وجودِكَ وكرمِكَ يا أرحمَ الراحمينَ.

اللهم أعزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، اللهم أعزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، اللهم أعزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، واخْذُلِ الشركَ والمشركينَ، اللهم انصُرْ دينَكَ وكتابَكَ وسنةَ نبيِّكَ وعبادِكَ المؤمنينَ، اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفِّسْ كربَ المكروبينَ، واقضِ الدَّيْنَ عن المدينينَ، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِحْ أئمتَنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتَنا فيمن خافَكَ واتقاكَ واتَّبَعَ رضاكَ يا ربَّ العالمينَ، اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حيُّ يا قيومُ، اللهم وفِّقْه ووليَّ عهده لِمَا فيه صلاحُ البلاد والعباد، اللهم ارفع عنا الغلا والوبا والربا والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن، ما ظهَر منها وما بطَن، عن بلدنا هذا خاصةً، وعن سائر بلاد المسلمين عامةً، يا ذا الجلال والإكرام، اللهم اجعل مواسم الخيرات لنا مربحًا ومغنمًا، وأوقاتَ البركاتِ والنفحاتِ لنا إلى رحمتك طريقًا وسُلَّمًا، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [سورة الْبَقَرَةِ: 201].

عبادَ اللهِ: اذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على آلائه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [سورة الْعَنْكَبُوتِ: 45].

المصدر: ملتقى الخطباء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضا

إغلاق