قال الله - تعالى - عن فضل ليلة القدر {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}1، وجدير بنا أن نتفكر في قدر هذا الفضل الكبير الذي منحه الله - تعالى - لعباده في هذه الليلة المباركة، وأن نستجلي ما فيه من جوانب الرحمة والإنعام حتى نستقبله بما يليق به من السعي في تحصيله، والشكر على تقديره.

ولكل عبادة مميزات تخصها، وميزة الدعاء أنه من أعظم العبادات حتى جاء في الحديث: ((الدعاء هو العبادة))2 أي: من أعظم العبادة؛ لأن الدعاء يستلزم أن يوطن العبد نفسه فيه على معاني العبادة من الذل والخضوع والمسكنة، قال مطرف بن عبد الله: "تذاكرت: ما جماع الخير؟ فإذا الخير كثير الصيام والصلاة، وإذا هو في يد الله - تعالى -، وإذا أنت لا تقدر على ما في يد الله إلا أن تسأله فيعطيك، فإذا جماع الخير الدعاء".

وشرف الدعاء متعلق بشرف الزمان والمكان لذا حرصت عائشة - رضي الله عنها - على سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن دعاء ليلة القدر فكان الجواب: ((قولي: اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني))3، قال بعض العلماء:"والله لقد نظرت في هذا الأثر فإذا به جمع خيري الدنيا والآخرة"؛ لأن من عوفي في بدنه، ومن عوفي في دينه، ومن عوفي في كل أحواله في الدنيا، وعوفي يوم القيامة من الحساب؛ لم يبق بعد ذلك شيء يطلبه"4.

والسبب أن دعاء ليلة القدر ينبغي أن تتوفر فيه مواصفات مخصوصة تجمع للمرء حاجاته الدينية والدنيوية كلها، وقد ورد عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: "إني لا أحمل هم الإجابة، ولكن هم الدعاء؛ فإذا ألهمت الدعاء علمت أن الإجابة معه"؛ إشارة منه - رضي الله عنه - إلى أهمية اختيار الدعاء المناسب الذي تتوفر فيه الصفات المؤهلة للقبول والإجابة، ومن ذلك الثناء على الله، والتوسل إليه بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى؛ المناسبين لمعنى الدعاء، قال ابن القيم: "قاعدة قد أشرنا إليها مراراً، وهي أن من دعا الله - تعالى - بأسمائه الحسنى؛ أن يسأل في كل مطلوب، ويتوسل إليه بالاسم المقتضي لذلك المطلوب المناسب لحصوله".

وكذلك اختيار الدعاء الجامع للمعاني، المناسب لحال الداعي كما جاء من حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعجبه الجوامع من الدعاء، ويدع ما بين ذلك"، والمعنى المقصود من الدعاء الذي علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - هو الجمع بين صفة الثناء على الله في قوله: ((عفو كريم تحب العفو)) وكونه جامعاً في قوله: ((فاعف عني))، وكذلك مناسبته لحال الداعي في إظهار العجز والتقصير، وأنه لا حول لي ولا قوة ولا نجاة إلا أن تعفو عن ذنبي وتقصيري، وتفريطي وعجزي.

ولذا لمَّا عرف العارفون بجلاله خضعوا، ولما سمع المذنبون بعفوه طمعوا، ما ثمَّ إلا عفو الله أو النار، ولولا طمع المذنبين في العفو لاحترقت قلوبهم باليأس من الرحمة، ولكن إذا ذكرت عفو الله استروحت إلى برد عفوه.

كان بعض المتقدمين يقول في دعائه: "اللهم إن ذنوبي قد عظمت فجلَّت عن الصفة، وإنها صغيرة في جنب عفوك، فاعف عني، وقال آخر منهم: "جرمي عظيم، وعفوك كثير؛ فاجمع بين جرمي وعفوك يا كريم".

يا كبير الذنب عفو الله من ذنبك أكبر                 أكبر الأوزار في جنب عفو الله يصغر

اللهم إنا نسألك التوفيق لليلة القدر، وقيامها إيماناً واحتساباً، والحمد لله أولاً وآخراً.


1 القدر (3).

2 رواه الترمذي برقم (2895)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي برقم (2969).

3 رواه الترمذي برقم (3435)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي برقم (3513).

4 شرح بلوغ المرام لعطية سالم (3/178).