الحمد لله المبديء المعيد الحميد المجيد ، الذي بيده الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون . وصلى الله على خير مبعوث بأفضل رسالة إلى جميع الخلق إنسهم وجنهم محمد بن عبد الله وآله وسلم . وبعد ..
الهلال ... هلال رمضان بشرى الصائمين وعلامة دخول شهر الخيرات والبركات ...{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ } (189) سورة البقرة "
كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتحرى رؤية هلال رمضان وغيره .
وكان يبشر أصحابه بدخول هذا الشهر بقوله : " أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك ... الخ "
وكان لا يبدأ الصيام إلا بالرؤية الصادقة للهلال يراها أو ترى له ويقول : " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته .. إلخ " البخاري .
وهنا علق الصوم بالرؤية ولم يلتفت إلى الحساب إلا بعدم الرؤية " فإن غم عليكم فاقدروا له " ، فيكمل شهر شعبان ثلاثين يوما .
فهذا هو الأصل الشرعي الذي يعتمد عليه في الصوم والفطر .
والحمد لله على ما من به على عباده حيث خلق لهم هذه الأجرام الفلكية وسخرها حيث جعل لها دوران ثابت محدد في أفلاك معلومة – بقدرة الله تعالى وتقديره قال تعالى : {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً} (12) سورة الإسراء .
جاء في تفسير السعدي " لتعلموا عدد السنين والحساب " : لتعلموا بتوالي الليل والنهار واختلاف القمر عدد السنين والحساب فتبنون عليها ما تشاءون من مصالحكم " . انتهى . والمعنى أن هذه الأجرام كافية لسيرها الدوري في مدكم بمعلومات الآجال وانقضاء الشهور والسنين .
فالحمد لله القائل : {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} (62) سورة الفرقان .
وثبوت دخول الشهر ، ومن ثم وجوب الصوم لا يثبت إلا بالرؤية أو ما ينوب عنها عند الغيوم وغيرها من الحجب كالعواصف الترابية والرعدية .
فنحن مأمورون بإتباع ما جاء به الشرع على لسان الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم .
فكوننا نعتمد فقط على هذه الحسابات الفلكية ، والتي تعتمد على معادلات رياضية من وضع بشري ، ونترك الوسيلة الشرعية عند أهل العلم فهذا فيه مخالفة وإيجاد شرط ليس في كتاب الله تعالى ويحكم ببطلانه وإن صح .
قال تعالى : {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (63) سورة النــور ، وهو أيضا مردود من جهة أنه ليس عليه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم كما في الحديث : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " البخاري . يدعمه ويوضحه الرواية الأخرى " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " مسلم .
فأمره وفعله كان على الرؤية المجردة مع الصحو وعدم الغمام في الأفق و على ذلك درج صحابته والتابعون من بعدهم ، وهذا واضح الدلالة أن الاعتماد فقط على الحساب الفلكي غير معتبر ولكن يمكن أن يستأنس به في بعض البلدان والأماكن التي قد لا يكون فيها إلا الضباب والغيوم أكثر أيام السنة .
سئل فضيلة الشيخ الدكتور صالح الفوزان :
في بعض البلاد الإسلامية يعمد الناس إلى الصيام دون اعتماد على رؤية الهلال وإنما يكتفون بالتقاويم فما حكم ذلك . ؟
قال : " لا يجوز إبتداء صيام رمضان إلا برؤية هلاله لقوله صلى الله عليه وسلم : " صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فاقدروا له " البخاري .
ولا يجوز الاعتماد على الحساب لأنه خلاف المشروع ولأن الحساب يخطئ كثيرا . لكن من كان في بلاد غير إسلامية ، وليس فيها جماعة من المسلمين يعتنون برؤية الهلال ، فإنه يتبع أقرب البلاد الإسلامية إليه وأوثقها في تحري رؤية الهلال ، فإن لم يصل إليه خبر يعتمده في ذلك ، فلا بأس أن يعتمد على التقويم لقوله تعالى : {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } (16) سورة التغابن .
واليوم وسائل الاتصال والحمد لله متوفرة وسفارات البلاد الإسلامية منتشرة في العالم وكذلك المراكز الإسلامية توجد في أغلب بلاد العالم وعلى المسلمين أن يتعارفوا في ذلك وفي غيره من شئون دينهم " . انتهى كلامه حفظه الله .
وفي صحيح مسلم باب [ لكل أهل بلد رؤيته ] ساق الحديث بسنده عن كريب أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام قال : " فقدمت الشام وقضيت حاجتها ، واستهل علي رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر ، فسألني عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ثم ذكر الهلال وقال : متى رأيتم الهلال ؟ فقلت : رأيناه ليلة الجمعة فقال : أنت رأيته ؟ فقلت : نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية ، فقال : لكنا رأيناه ليلة السبت ، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه ، فقلت : أولا نكتفي برؤية معاوية وصيامه ، قال : لا . هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم " . رواه مسلم
وهذا هو المعتمد عند الصحابة والسلف وجميع علماء المسلمين إلا القليل والذي لا يعتد بقوله.
وهناك كثير من الحكم في الاعتماد على الرؤية والتي تغيب على كثير من الناس .
ومن هذه الحكم إتباع السنة في تحري الرؤية والخير كله في اتباعه صلى الله عليه وسلم والشر في الاختلاف عنه .
ومنها البشرى والتبشير بذلك وذكر الأدعية المأثورة في رؤية الهلال ومنها تعليم المسلمين والناشئة منهم وتحفيزهم في المسارعة والمبادرة لهذه الشعيرة {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ } (32) سورة الحـج.
ومنها الفرح بفضل الله تعالى حيث بلغهم هذا الشهر وكانوا من قبل يدعون " اللهم بلغنا رمضان " وغير ذلك من الحكم والمصالح التي تعود على الأمة
{قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} (58) سورة يونس اللهم بارك لنا في ما بقي من شعبان وبلغنا رمضان واجعلنا من الصائمين القائمين ، واجعل أعمالنا كلها خالصة لوجهك إنك على كل شيء قدير .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين














