من بديع روح الشريعة، وحسن جوهرها؛ أن جعلت من يدل على عمل من أعمال البر بمثابة الفاعل له، حيث ثبت من حديث أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه - قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني أبدع بي فاحملني، فقال: ((ما عندي))، فقال رجل: يا رسول الله أنا أدله على من يحمله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من دل على خير فله مثل أجر فاعله))1 قال الإمام النووي - رحمه الله - في شرحه على هذا الحديث: "فيه فضيلة الدلالة على الخير، والتنبيه عليه، والمساعدة لفاعله، وفيه فضيلة تعليم العلم، ووظائف العبادات؛ لاسيما لمن يعمل بها من المتعبدين وغيرهم، والمراد بـ((مثل أجر فاعله)) أن له ثواباً بذلك الفعل كما أن لفاعله ثواباً، ولا يلزم أن يكون قدر ثوابهما سواء"2.

وقد أمرنا الله - تبارك وتعالى - بالتعاون على البر والتقوى فقال - تعالى -: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}3, والإرشاد إلى الخير وفعل المعروف هو من التعاون على البر والتقوى، كما أن الدلالة على الشر أو الإعانة عليه جالبه للوزر فقد جاء في حديث جرير بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليهم الصوف، فرأى سوء حالهم، قد أصابتهم حاجة، فحثَّ الناس على الصدقة، فأبطؤوا عنه حتى رؤي ذلك في وجهه, قال: ثم إن رجلاً من الأنصار جاء بصرَّة من ورق، ثم جاء آخر، ثم تتابعوا، حتى عُرف السرور في وجهه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فعُمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء))4.

وهذا الشهر الكريم تكون فيه نفوس الناس مقبلة على الخير, عاملة له؛ فنذكر إخواننا من الدعاة إلى الله أن يستغلوا هذه الفرصة في توجيههم وإرشادهم للمسارعة إلى فعل الخيرات؛ مستشعرين ومشعرين بقوله - تعالى -: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}5.

ومن أهم الأعمال التي ينبغي للدعاة الله أن يقوموا بها تفقد أحوال المحتاجين ومواساتهم, وحث الناس وترغيبهم على الإحسان إليهم, وكذا تفطير الصائمين كما في حديث زيد بن خالد الجهني - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من فطَّر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً))6.

وبالعموم فإن أفعال الخير كثيرة جداً, وعلى كل إنسان أن يعمل جاهداً في طاعة الرحمن، مسارعاً فيها، متخيراً منها ما يستطيعه؛ فإنما هذه الحياة ساعة قريب تمامها {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ}7.

نسأل الله - تبارك وتعالى - بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى؛ أن يختم لنا بالحسنى، وأن يعيننا على طاعته ورضاه، وأن يبلَّغنا رمضان، وأن يتقبل منا, ويعفو عنا، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.


 

1 رواه مسلم برقم (1893).

2 شرح النووي على مسلم (13/39).

3 سورة المائدة (2).

4 رواه مسلم برقم (1017).

5 سورة آل عمران (133).

6 رواه الترمذي برقم (807)، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح؛ وابن ماجة برقم (1746)؛ وابن حبان في صحيحه برقم (3429)؛ وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (6414)؛ وفي الجامع الصغير وزيادته برقم (11360)؛ وفي صحيح ابن ماجة برقم (1417).

7 سورة البقرة (197).